الشيخ محمد رشيد رضا

305

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الايمان كتب اللّه تعالى فأحصوا ما فيه من الشعب والآيات على الايمان ( 55 : 9 وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ) ويا أيها الامراء والسلاطين ، الذين انتحلتم لأنفسكم الرياسة في هذا الدين ، وإفاضة السلطة الدينية على العلماء والحاكمين ، اعلموا انكم مخاطبون كغيركم بهذه الآيات ، بل هي موجهة إلى غيركم بالتبع وإليكم أولا وبالذات ، لأنكم سلبتم الأمة الاستطاعة على العمل للملة ، ومنكم من سلبها أيضا حرية القول والدعوة ، فعليكم أن تخفضوا من هذه الكبرياء ، وأن تتحملوا في سبيل الحق البأساء والضراء ، وان تبذلوا في تأييد كلمة اللّه قناطير الذهب التي تخزنون ، وهذه المزارع والدساكر التي تتأثلون ، فان ما تستدلون به على أصل سلطتكم من القرآن ، مقيد بكونكم من أهل الايمان ، وهذه آيات المؤمنين ، وما أعلم اللّه به أهل الايمان الصادقين ، بل عليكم بعد إقامة شعب الايمان في أنفسكم ، أن تقيموها في أنفس رعيتكم ، وتكونوا قدوة لعالمهم وعاملهم ، وغنيهم وفقيرهم ، لتكونوا أئمة هدى ونور ، لا أئمة ضلالة وفجور ، والا كان عليكم إثمكم ، واثم جميع الأمم التي منيت بكم . وجملة القول انه يجب على كل مكلف أن يتحقق بصفات الايمان التي جاء بها الكتاب العزيز ، ويعلم أن للايمان عليه حقوقا عامة وواجبات خاصة ، هنّ آيات الايمان وثمراته في الأنفس والاعمال ، وبهنّ يؤدي إلى غايته من سعادة الدارين ، ولم يسلب اللّه هذه الامه تلك النعم التي أنعم بها على سلفها بقيامهم بحقوق الايمان الا بعد التفريط فيها . ثم إنهم ليمنون أنفسهم بالجنة ، بدلا عما فاتهم من السيادة والعزة ، غافلين عن الآيات البينات التي تفرض عليهم من الاعمال لسعادة الآخرة أكثر مما تفرضه عليهم لسعادة الدنيا ، وان في كل آية منها ما يكفى لاستئصال جراثيم الغرور والأماني فما بالك بمجموعها ، فعلى المسلم المذعن ان يشغله تطبيقها على نفسه ، عن اشتغاله بعيوب غيره ، وان يتعاون مع أهلها على البر والتقوى ، ويهجر الراغبين عنها غرورا بزينة الحياة الدنيا . « تفسير المنار » « 39 » « الجزء الثاني »